جان لوئيس بوركهارت

229

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

ويلوح لي - بعد أن تأملت سحن رواد السوق - أن هؤلاء العرب جميعهم من سلالة واحدة ، إلا أن البدو الجعليين الخلص القادمين من الصحراء الشرقية أكثر بياضا من سكان ضفاف النيل ، ولعل ذلك راجع إلى تحاشيهم الاختلاط بالزنجيات أو اتخاذ الخليلات منهم ، وقد أدهشتنى قسمات الكثيرين من هؤلاء الجعليين ، فقد كانت شبيهة كل الشبه بقسمات بدو شرقي شبه جزيرة العرب ، ويزيدون عليهم قصر لحاهم وخفة شعرها . ورأيت في السوق أفرادا من قبيلة للجعليين تسكن الحدود الجنوبية للشكرية ، وكانوا يلبسون قبعات مصنوعة من القش ، عالية مدببة عريضة الحوافّ مربوطة برباط من الجلد تحت الذقن ، ويرتديها الرجال منهم والنساء على السواء . وكان المعروض البيع في يوم السوق الكبيرة زهاء خمسمائة جمل ، ومثلها من البقر ، ومائة حمار ، وعشرين أو ثلاثين حصانا . ويتخذ كل تاجر مكانه في أحد المتاجر المفتوحة أو في ساحة السوق ويعرض على المشترين بعض بضاعته ، ولا غرابة في هذا فإن أغنى تجارهم لا يأنفون من الاتجار بأصغر السلع قيمة . ويؤلف التجار المصريون والسواكنيون والسناريون والكردفانيون حلقات منفصلة يعرضون في وسطها عددا كبيرا من الرقيق للبيع . ويجلب الريفيون للسوق الحصر والسلال وجلود الثيران وغيرها ، والفخار الخشن الصناعة ، ورحال الإبل ، والقصاع الخشبية ، إلى غير ذلك من مصنوعاتهم الوطنية . ويشتغل بالسوق نحو اثنى عشر صانعا من صانعى الأحذية أو على الأصح القادمين من الريف ، وفي وسع الصانع منهم أن يصنع لك زوجا منها في ظرف ساعة . وأشغال الجلد بديعة الصنع ، ويدبغ الجلد بالقرض ، وهو ثمر السنط . ويقال إن البدو المقيمين حول سنار أمهر الدباغين كافة ، كذلك يبيعون في السوق الجربان ( جمع جراب ) ، ويحمل فيها شتى المتاع والبضاعة فيما خلا الذرة والصمغ العربي والملح ؛ فهذا كله يحمل في المقاطف . ويؤم شندى الحدّادون القادمون من الريف ، ويصنعون ويبيعون المدى الصغيرة التي يحملها القوم ، وطول المدية منها نحو ثماني بوصات ، وتحمل في غمد من الجلد مشدود إلى المرفق الأيسر ، ولها حدان كمدى البرابرة .